مما كتبه الناشط ملهم زكار عن صديقه الشهيد رواد البكري على حسابه على منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك في 13 و14 شباط/ فبراير 2025:
جسم نحيل وعينان خضراوان وصوت ناعم ولكنها تخفي وراءها رجلاً جبلاً، وأيّ رجل!.
عن أخي وحبيبي وصديقي النقيب رواد إبراهيم البكري أتكلم
تعرفت عليه في كلية الإشارة في حمص أثناء التحاقي بجيش نظام الأسد المجرم للخدمة الإجبارية عام 2009، لألتقي بهذا الرجل الذي تعطيك النظرة الأولى أنه “شخص كيوت أتى إلى هذا المكان بالغلط”، كان نائب قائد الدورة وكان وقتها برتبة ملازم أول. عندما عرف أني من حماة وعرف اسمي في أول يوم أثناء الاجتماع أخذ يعاملني بقسوة ويدفعني بطريقة غريبة، حتى أنه جعل مني مسطرة للهندام العسكري أمام باقي العساكر، ثم أرسل لي خبراً أثناء فترة الدروس كي آتي لمكتبه وتركني واقفاً أمامه باستعداد لمدة 50 دقيقة وهو جالس على كرسيه وكأنه يحقق معي:
– شو اسمك؟ وين ساكن؟ شو دارس؟
– هندسة معلوماتية سيدي.
– يعني بتفهم؟ (بطريقة استفزازية)
– ما بعرف سيدي أنت أدرى.
– شلون يعني أنا أدرى؟ بتفهم والا لا؟
– ماشي حالي سيدي. (وأنا أستشيط غيظاً)
– شو بيقربك قيس زكار؟
– ابن خال أبي سيدي (قلت في نفسي جاء الفرج، طالما يعرف أحد أقربائي).
– شو بتعرف تشتغل بالكمبيوترات؟
– بعرف كتير سيدي، صيانة، برمجة، شبكات… (قلت في نفسي لعله مثل أغلب ضباط الجيش البائد المجرم، يريد رشوة أو استفادة مالية مني فقلت له) شو بيلزمك سيدي أنا جاهز وبعجبك.
– شو قصدك شو بيلزمني؟ (بنظرة جانبية مع ضحكة صفراوية، توحي وكأنه سيرميني بالسجن إذا كنت سأرشيه أو أنه بالعكس يريد مني أن أرشيه)
– (تلبكت ولم أعرف ما أجاوب بدايةً، ثم قلت) قصدي سيدي إذا بيلزم أي شي بمجالي أنا بالخدمة.
بعدها خطر ببالي أن أسأله:
– حضرتك من وين سيدي؟ (فلم يجب) وبعد بعض المحادثات أعدت السؤال: حضرتك من حماة سيدي؟ (فلم يجب)
– انصرف روح عالقاعة.
أدّيت التحية ورجعت للقاعة لأخبر أصدقائي عن كرهي لهذا الرجل وكم هو سيء ومتكبر ولا أعرف ما يريده مني.
في المساء أو لعله في اليوم التالي (نسيت) أرسل لي مرة أخرى في فترة الذهاب العشاء كي آتي لمكتبه، وعندما وصلت وجدته جالساً وقد قسّم قطع البطاطا المسلوقة في صحن بطريقة مرتبة ويقطع البندورة في صحن ثاني وبجانبها النعناع الأخضر وغيره، أديت التحية ووقفت باستعداد فأخبرني أن أجلس على الكرسي مقابله وأن آكل معه، استغربت كثيراً لتواضعه الشديد ومنعني أن أقسّم شيء أو أعمل شيء، لأكتشف رجلاً طيباً متواضعاً غير الذي كان في الصباح، وأخبرني أن أصل عائلته من تمانعة خان شيخون ولكنهم يسكنون حماة في حي الشريعة وهو من مواليد حماة.
لا أريد أن أطيل ولكن أذكر بعض أفضاله عليّ بعد فضل الله سبحانه الذي جمعني به:
دائماً يجهز طعام العشاء لنسهر سوياً ويسخن صندويش الجبنة المدهونة بيده على السخانة ويقدمها لي وكأني أنا القائد وهو عسكري عندي، سمح لي بأن أكمل مشروعاً برمجياً (دليل النور الطبي) كنت قد بدأته قبل العسكرية ولم أتمّه باستخدام لابتوبه الذي كان يدخله سراً للكلية، بل وأحضر لي قرص التخزين المحمول (الهارديسك الخارجي) من عند أهلي كي أكمل مشروعي، ووظف لي عسكري مجند يعرف العمل على الكمبيوتر لكي يدخل بيانات أطباء وصيادلة ومشافي عدة محافظات للمشروع في الفترات التي لا أعمل بها على اللابتوب، وأعطاني مفتاح مكتبه كي آتي متى أريد وأعمل حتى لو لم يكن في الكلية، بل كنت أصلي في مكتبه كثيراً، وكان في وقت تمارين الرياضة يقف بحيث يحجب الشمس كي لا تضرب في وجهي، وينقذني من العقوبات التي يحاول طلاب الضباط الحربية (العاملين) فرضها عليّ حتى كنت معروفاً عندهم أني “من طرف رواد” فلا يتعرض لي أحد منهم. حاول عند تخرّجي من الكلية بعد الدورة أن يكون فرزي في الكلية نفسها معه ولكن كلمته لم تكن مسموعة كونه “سنّي” أما قائد الدورة “علوي”. وغيرها الكثير من أفضاله عليّ لو ذكرتها كلها لطال المنشور (وقد طال).
كان رواد محباً للعلم، يحاول أن يتقرب مني ومن أصدقائي وخاصة مهندسي الاتصالات ويناقش معنا أموراً علمية تتعلق باختصاصه كضابط إشارة، يستغل وقته أثناء المحاضرات الوهمية المفروضة بحفظ مفرداتٍ باللغة الانكليزية قد كتبها على ورقةٍ صغيرة يمسكها في يده ويخفيها، كان يصلي كل أوقاته ويصوم الاثنين والخميس بشكل دائم ولهذا كانت “العين حمراء” عليه وترفيعه بين الضباط متأخراً، ولكنه لا يبالي بكل هذا مع أنه لجِدِّه واجتهاده يعرف تشغيل كل أجهزة الإشارة بشكل عملي وليس مثل أغلب الضباط الذين يعرفونها فقط نظرياً وقد عملت معه على تشغيل جهاز جديد كان قد وصل للكلية وتجريبه ومعرفة مزاياه وتطبيقها بشكل عملي.
بعد انتهاء دورة كلية الإشارة تم فرزي في كتيبة الإشارة في قيادة الفرقة التاسعة في مدينة الصنمين في درعا، وبمجرد وصولي للكتيبة اتصل بي رواد ليطمئن عني وسألني عن أسماء الضباط لعله يعرف أحداً منهم ليوصي بي، ولكني أخبرته أن الوضع مقبول ولا حاجة لشيء ان شاء الله، وبقيت على تواصل معه كلما آتي لحماة حيث زرته في منزله عدة مرات.
وشاء الله أن تبدأ ثورة العزة والكرامة في آذار 2011 وتكون شرارتها درعا بل وتكون الصنمين من أولى القرى انتفاضاً رغم التصاقها بقيادة الفرقة التاسعة، ولعلي أروي بعضاً من قصة بداية الثورة معي وأنا في الجيش لاحقاً ان شاء الله. بعد فترة تواصل رواد معي يسألني عن وضعي فأخبرته أني في الكتيبة ولم أخرج منها وطلب مني أن أتواصل معه بمجرد استطعت النزول بإجازة لحماة، وفعلاً بعد حوالي 3 أشهر على ما أذكر استطعت النزول بإجازة ليومين لحماة وتواصلت معه فوراً فأخبرني أن نلتقي في مكان عام كي لا نلفت الأنظار، وكان ذلك حيث التقينا في مقهى اتحاد العمال قريباً من منزله الجديد الذي صار في حي الجراجمة، وكانت حماة وقتها تغلي بالثورة وحواجز الثوار تغلق مداخل الأحياء التي يسيطرون عليها منعاً من محاولات القوى الأسدية اقتحامها ووو.
جلست معه وأنا متيقن أنه لن يكون مؤيداً لنظام الإجرام، وفعلاً كانت شرارة الثورة تتطاير من عينيه الخضراوين، سألني:
– كيف الوضع عندك؟
– فأجبته: أنت أخبرني كيف الوضع؟
– ليقول لي: الوضع تمام التمام، والشباب هون ما عم يخلوا الكلاب تتحرك، وشفتهم بعيني (كونه ساكن بالجراجمة) كيف مجموعة شباب صدوا عشرات من قوى المداهمة وما خلوهم يقربوا متر واحد جوا الحي؟
– سألته: وأنت كيف عم تتحرك وتروح وتجي عالكلية وأنت عسكري؟ لا يلقطوك الشباب بيدبحوك!
– قال لي: على حواجز الشباب بعطيهم شهادة السواقة وعلى حواجز الأمن بعطيهم هويتي العسكرية وهيك.
– فلم أستطع أن أتحمل دون أن أسأله: طيب ليش ما انشقيت؟ شو عم تستنى؟
– شو رح فيد بالانشقاق؟ بمكاني بفيد أكثر. عم هرب ذخيرة من الكلية كونه ما حدا بفتشني وأعطيها لمجموعات بريف حمص الشمالي، وأي معلومات عم حصلها عم خبرهم فيها، وهون ممكن اتحرك وأنفع الثورة أكثر. وأنتم شو مفكرين؟
فأخبرته أنه كان المفروض نتسرح من الجيش في هذا الوقت ولكن طالما بدؤوا مرحلة “الاحتفاظ” فاحتمال كبير ننشق عن الجيش، وأخبرته أني تعرفت على بعض الضباط “السنة” في قيادة الفرقة عندما بدأت الثورة وأني أنسق معهم لنحاول إفادة الثورة بشيء، فسألني عن وضع الصنمين فأخبرته أنها تغلي وأن جيش الإجرام قطع الكهرباء عنها وعن باقي قرى درعا وحاصرها وكل يوم ليلاً وبمجرد خروج أي مظاهرة يخرج المقدم المجرم(نسيت اسمه) قائد كتيبة (أو سرية) الاستطلاع من قيادة الفرقة مع مجموعة من المدرعات ويطلق النيران الثقيلة في الهواء ليرهب أهل القرية، وببعض الأحيان يداهم بعض البيوت ويضرب عليها بناء على ما يأتيه من أوامر، وأخبرته أنه أكثر ضابط سيء وقتها، فقال لي: وليش تاركينه؟ طالما مجرم لازم حدا يتخلص منه. فأخبرته أنه كتيبتنا ما فيها أسلحة بمستودعها كونها كتيبة إشارة، وقد سألت بعض أهل الصنمين أنه يتخلصوا منه بالتعاون معي فخافوا مني لأني عسكري. فقال لي:
– أنا بجبلك هدية (لغم).
– من وين بدك تجبلي لغم؟ وكيف بدك توصله لعندي كل هالمسافة وطريق دمشق – درعا مليء بحواجز الأمن والمخابرات والجيش؟
– أنا بعرف صديق ضابط بحرية يخدم بالساحل، وعندهم مليان أصابع ديناميت بيستخدموها بالبحر، بطلع على اللاذقية بجيب الهدية وبوصلك إياها لدرعا.
– (اندهشت من شجاعة هذا الرجل!) قلت له بدك تطلع من حماة للاذقية تجيب عبوة ناسفة وتاخدها لدرعا وبالنقل الداخلي وتمر على كل هالحواجز؟؟؟؟
– معلش بدبر حالي أنا ضابط ما حدا بفتشني. المهم تخلصوا من هذا المجرم.
طبعاً ما قبلت أنا لأنني أعلم يقيناً أنه رح يتفتش وينمسك، بالإضافة أني ما كنت أملك نصف شجاعته لأتابع المهمة. انتهى لقاؤنا بعد الاتفاق على رفع التنسيق بيننا، حيث أنشأت له حساب (سكايب) باسم (عز الدين) ليتم التواصل بشكل دائم، وصار كل يوم يطلب مني ساوي حساب سكايب لضابط ينسق معه ضمن كلية الإشارة أذكر من أسماء الحسابات: الفجر الحر – حفيد خالد – ابن الأحرار وغيرهم.
بالشهر العاشر 2011 تسرحت من الجيش بعد احتفاظ 4 أشهر، وبدأت لقاءات كثيرة مع رواد بالإضافة للتواصلات عبر سكايب، إلى أن أخبرني أنه بباله خطة لعملية ممكن تفيد الثورة كتير ولكنها خطيرة، وهي السيطرة على مستودعات الرحيبة بريف دمشق، بالتعاون مع بعض المجموعات المحلية، حيث استطاع الوصول لعسكري حموي يخدم هناك، وكانت الخطة أن يقوم بتنويم الحرس لتبدأ مجموعات محلية تواصل معها عن طريق ضابط منشق مع الجيش الحر معروف جداً (لا أريد ذكر اسمه) بالدخول والسيطرة على المستودعات وسحب ما فيها من سلاح.
ويوم العملية في نهاية الشهر 11 لعام 2011 سهرنا سوياً بانتظار الأخبار من المجموعات، وكان القلق يظهر علينا جميعاً، وفجأة اصفر وجه رواد وهو يجري التواصلات وأخبرنا أنه العملية فشلت وأن النظام أمسك بالعسكري وعمل كمين للأخوة المهاجمين وأننا في خطر كبير جميعنا، سألته إن كان العسكري يعرف أسماء أحد فقال بأنه يعرف رواد فقط ولكن الخطر على الجميع، كان خبر فشل العملية صاعقاً للجميع وكانت ليلة متعبة جداً من التفكير والتناقش حول مصرينا جميعاً ومصير بقائنا في حماة وهي مليئة بحواجز النظام والمخابرات وقتها إلى أن وصله خبر أن العسكري قد استشهد ولم يعتقل وهنا ارتاح رواد قليلاً ولكنا طلبنا منه عدم الذهاب للدوام في اليوم التالي على الأقل حتى نتأكد أنه لا يوجد خطر عليه.
في اليوم التالي وعند شروق الشمس، طرق الباب ففتحت لأجد رواد بوجهه الشاحب المصفر يحمل حقيبته وأخبرني أنه ذاهب للدوام في الكلية حتى لا يلفت نظر طالما أن العسكري قد استشهد، وفعلاً ذهب وبعد ساعات تواصل معي أحد الضباط الأحرار عبر سكايب ليخبرني أنه تم استدعاء رواد لغرفة ضابط الأمن منذ أكثر من ساعة وأنه لم يخرج بعد ولا يعلمون السبب وأنه مضطر لإغلاق السكايب خشية أن يتم كشف أمره أيضاً. وللأسف كان اليوم المشؤوم الذي غاب فيه رواد في سجون المجرمين (حيث تبين أن العسكري لم يستشهد وبقي معتقلاً في صيدنايا لسنوات ثم خرج)، وفي اليوم التالي على ما أذكر تم اعتقال ستة ضباط أيضاً قضوا في صيدنايا ما يقرب من سنة ونصف وخرجوا لأن تهمتهم كانت فقط التستر على رواد ولم يعترف رواد بشيء يدينهم، في حين أن رواد بقي في صيدنايا وقد أخبرني من التقيته وتواصلت معه من الضباط أنه تعرض لضغط وتعذيب جسدي شديد ولكنه كان صامداً صابراً ومعنوياته كالجبل الشامخ.
تحررت سوريا من إجرام المجرمين وأنا كلي أمل بلقاء رواد يخرج من سجن صيدنايا، انتظرته وانتظرته ولاحقت أسماء المعتقلين المحررين وصورهم ولكني لم أجده بينهم، وعلمت من أخيه أنهم تبلغوا بوفاته منذ 2015 ولكنهم لم يستطيعوا التأكد.
صعد رواد لربه شهيداً جميلاً كما نحسب مع آلاف الشهداء الذين ارتقوا في هذه الثورة المباركة، وأسأل الله أن يجمعنا بهم في جنات النعيم.
تقبلك الله يا شهيد، فتنت روحي يا شهيد.
الوسوم: التعذيب، الثورة السورية، رواد البكري، سوريا، شهيد، مختارات، ملهم زكار


