ما كتبه الأخ عبد الله وحود على حسابه الشخصي في فيسبوك بتاريخ 15/ آذار/ 2026:
خالد محمد وليد صبري – أبو الهدى الحموي Abu-Alhuda Al-Hamwie
الشهم السبّاق، الغيور الصدّاع بالحق، أحد أوائل ثوار المدينة. حوّل غرفته الخاصة في منزله إلى مركزٍ إعلاميٍّ صغير تتوافد إليه أخبار المدينة، ومنها كانت تنطلق تسجيلات المظاهرات واقتحامات الجيش والأمن لأحيائها، وذلك رغم الضغط الأمني المتزايد الذي كان يتعاظم يومًا بعد يوم، إلى أن أحكم النظام سيطرته على مفاصل المدينة بعد عدة حملات عسكرية ابتداءً من31.07.2011.
تعرّض للاعتقال أكثر من مرة في عدة أفرع أمنية، لكن ذلك لم يثنه عن مواصلة العمل للثورة؛ حذرًا دون خوف، وثابتًا لا يعرف التراجع.
في الشمال والجبل
لا تنتظر من شاب هكذا حاله، يمتلئ رجولةً وشهامةً وغيرةً وحميّةً، أن يتخلف عن مرحلة جديدة فرضها النظام المجرم، وهي العمل المسلح. فخرج من المدينة للتدريب، وكان من المساهمين في تشكيل إحدى الكتائب في الشمال المحرر آنذاك عام 2012.
ثم انخرط في العمل العسكري، وشارك مع إخوانه في عدد من معارك التحرير المشهودة حينها (حارم – معمل الزيت – المعرة). وإلى جانب ذلك كان المسؤول الإعلامي، حتى أبدع في تفعيل مشروعه الإعلامي الفريد «المركز الإعلامي المتنقل»، وهو مشروع لم يكن له شبيه حينها في المناطق المحررة – فيما أعلم – آنذاك. وقد بذل فيه الكثير من الوقت والجهد، متعلمًا ومطوّرًا لإمكاناته، رغم أن هذا المشروع لم يكن يلبّي طموحه الكامل. ومع ذلك فقد حقق فوائد كبيرة في الإعداد الإعلامي وتسهيل التواصل بين مختلف المجموعات في الميدان
الإصابة الأولى والعودة للميدان
في صيف عام 2013، في شهر أغسطس، وقبل عدة أيام من معركة تحرير خناصر الأولى في ريف حلب، استأمنني على وصيته – تقبله الله – وكأنه استشعر أمرًا. وبالفعل فقد أُصيب إصابة بليغة في منطقة البطن، نُقل على إثرها إلى تركيا ليتلقى العلاج لعدة أشهر.
لكن مثله لا يطيق بعداً عن الميدان؛ فعاد إلى العمل من جديد. غير أن الإصابة كانت قد أنهكت جسده، فلم تعد قدراته الجسدية كما كانت قبلها. ومع ذلك ما شهدت منه تأخراً في مهمة طُلبت منه، ولا نوبة رباط دعي إليها.
يوم الشهادة
بعد تحرير مدينة مورك في ريف حماة الشمالي ورباط المجاهدين فيها مطلع عام 2014، شارك – تقبله الله – إخوانه رباطهم في المدينة.
وفي يوم الجمعة الموافق 14/03/2014، وعلى إحدى نقاط التماس مع قوات النظام المجرم، أصابت أخانا أبا حسن (سعفان حسن الفنان) طلقة قناص في الرأس، فاستشهد على الفور.
فسارع أبو الهدى – تقبله الله – مع إخوانه لمحاولة إخراج الشهيد من المكان والانسحاب مباشرة، لكن قذيفة دبابة عاجلتهم بإصابة مباشرة، فأصيب أبو الهدى إصابة بالغة عمّت أجزاء من جسده، وخصوصًا منطقة الصدر.
واستشهد متأثرًا بجراحه في صباح يوم السبت 15/03/2014 في مشفى الشفاء في سراقب. تقبله الله في الشهداء، ورفع مقامه في الصادقين.
فحنوت ألثم جرحه … الرعاف، فانتكأت جراحي
وهمت على خدي الدموع … فقلت يا روحي وراحي
هلا رحمت قلوبنا … وعدلت عن هذا الرواحي
فأجابني البطل المسجّى … هازئًا بي باقتراحي
كفكف دموعك ليس في … عبراتك الحرة ارتياحي
هذا السبيل إن صدقت … محبته، فاحمل سلاحي
رحم الله الأخ الحبيب أبا الهدى. ففي كلتا المرتين اللتين أُصيب فيهما كان يحدّث وصيته حسب مايستجد من ظروف قبل الإصابة بعدة أيام، وكأنه كان يستشعر ما قد يقع له.
كان بمقام الأخ الكبير لإخوانه، محط احترام الجميع، لا يطلب لنفسه شيئًا في مصلحة الجماعة، صدّاعًا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم. ورغم ما كان يظهر عليه من جدية، إلا أنه كان شفيقًا رحيمًا كأخ كبير بحق؛ رجلاً جلداً صبوراً، صاحب عزة وأنفة لا تخفى على من عرفه.
خالد، الذي كان يُعدّ لرسالة الماجستير في الهندسة الغذائية تزامنًا مع انطلاق الثورة. كان كغيره من الشباب، لديه ما يحلم به ويسعى لتحقيقه. لكنه ترك كل ذلك مستشعرًا عظم المسؤولية وضرورة مقارعة النظام وإسقاطه، وفاءً للعهد ولدماء الشهداء والمغيبين في سجون المجرمين.
الأيام الأخيرة
كان في أيامه الأخيرة قبل استشهاده مقبلًا على القراءة في التفسير، والمطالعة في التراجم والسير كلما سنحت الفرصة، وما كان يملّ من سماع أنشودة «هي جنة» المأخوذة من نونيتي القحطاني وابن القيم.
وقد أوصى – رحمه الله – أن يكون مسدسه الخاص وهذه السيارة تحت تصرف التشكيل في سبيل الله، في خدمة المجاهدين.
وفاءً لذكراه وعرفانًا بأثر أبي الهدى ومكانته، كتب الأستاذ بسام السليمان (أبو عدنان) قصيدة يرثي بها شهداء المدينة، أنشدها حينها الشيخ الشهيد أبو المعتصم محمد المصري، وخصّ أبا الهدى فيها بقوله:
شـهداؤنا هـم نـورنا فـي دربنا … مـثل المشـاعل فـي دروب الـثـائرين
وأبـــو الهدى هو قدوة لن ننسه … سيظـل حـــيًا فــي قـلوب الــثائرين
باعوا النفوس رخيصة لإلههم … ومضوا بدرب المجد درب الصالحين
يـكفيـك فـخرًا يا حـمـــــاة بـأنـك … أنـجبـت أسـدًا كــأسـود الـفـاتـحـين
هنيئًا لك يا خالد… هنيئًا لك.
تقبلك الله في الشهداء، ورفع مقامك في الصالحين، مع إخوانك جميعًا. اللهم اجعله شفيعًا لأهله وإخوانه، وارزقنا من فضلك.
للاطلاع على رابط المنشور
الوسوم: أبو الهدى الحموي، الثورة السورية، الشهيد، حماة، خالد صبري، سمية الحداد، سوريا، عبد الله وحود، مختارات، مي النيربية


