كتب الناشط السياسي زياد الصوفي، على حسابه الشخصي في فيسبوك، في 17/ شباط/ 2026:

ليست المسألة انتظار الحلقة الأولى من مسلسل قيصر، ولا استعجال الهجوم عليه قبل أن تُعرض مشاهده.
المسألة أن الذاكرة ليست شاشة يمكن إطفاؤها مع شارة النهاية.
مسلسل قيصر، الذي يُفترض أنه يتناول قصص السجون السورية ومعاناة من دخلها، لا يأتي في فراغ أخلاقي، و لا يولد بريء من سياقه.
فحين نسمع أسماء العاملين فيه — سلوم حداد، غسان مسعود، فادي صبيح، يزن السيد — فإن السؤال لا يكون عن قدرتهم على أداء الألم، بل عن موقعهم منه حين كان حقيقة لا تمثيل..
في اللحظة التي كان فيها آلاف السوريين يُسحَبون إلى أقبية الموت، كانت الكاميرات تُضاء في استوديوهات دمشق، وكانت وجوه معروفة تطل علينا لتحدثنا عن الدولة والهيبة و الحرب على الإرهاب..
لم يكن موقف رمادي، ولا صمت خجول، بل اصطفاف واضح خلف نظام بنى سجونه كما تُبنى مواقع التصوير، واعتبر التعذيب جزء من إدارته اليومية..
نظام ارتبط اسمه بـسجن صيدنايا كما يرتبط اسم الجريمة بمسرحها.
عندما كان المعتقل يُعلَّق من يديه في الممرات الضيقة، كانت هناك وجوه فنية تلمّع الصورة في الخارج.
عندما كانت الأمهات ينتظرون خبراً عن أبنائهم على أبواب الفروع الأمنية، كان هناك من يبرر، ويصفق، ويمنح القاتل شرعية ثقافية.
وعندما تحولت السجون إلى مصانع موت، كان بعض من يُفترض أنهم “ضمير المجتمع” جزء من ماكينة التغطية، بالصمت حيناً، وبالتحريض أحياناً، وبالظهور العلني دعماً وتزكيةً في أحيانٍ كثيرة.
قضية المعتقلات في سوريا ليست مادة درامية،و ليست مشهداً مؤثراً يُقطّع بالموسيقى التصويرية، هي أجساد حقيقية، نساء خُدِشَت أرواحهم قبل أجسادهم، خرجوا من الأقبية وهم يحملون صمتاً أثقل من الجبال.
هي رجال عادوا هياكل بشرية، وأسماء لا تزال حتى اللحظة مجرد أرقام في قوائم الانتظار.
هي سنوات سُرِقَت من أعمار أناس لم يكن جرمهم إلا أنهم قالوا “لا”.
لم يمضي أسبوع بعد على خروج بطريرك الفن بسام كوسا ليقول علناً ما يهمسون به حتماً في الصالونات المغلقة:
“إن بشار الأسد خذلنا”
فكيف يمكن لمن وقف مع السلطة التي أسست هذا الواقع أن يؤدي اليوم دور الضحية؟ و كيف يمكن لمن منح الغطاء الأخلاقي لسجّان أن يرتدي قميص السجين أمام الكاميرا ويطلب منّا التصفيق؟
الفن ليس غسيل سمعة، ولا خشبة يُعاد عليها توزيع الأدوار لتبديل مواقع المذنبين والضحايا..
العدالة الانتقالية ليست فقط محاكمات وأحكام قضائية، هي أيضاً ذاكرة جماعية لا تُخدع بسهولة، هي وعي اجتماعي يرفض أن يُكافَأ من اصطفّ مع الظلم، ثم عاد ليتقمص دور البطل التراجيدي.
هي مقاطعة أخلاقية تقول:
لن ننسى، ولن نساوي بين من عُذِّب ومن برّر التعذيب، ولن نضع الضحية والجلاد في ميزان واحد بحجة “الفن”.
من أراد أن يمثل وجع المعتقلين، فليبدأ أولاً بالاعتراف، ومن أراد أن يتحدث عن السجون، فليُجب: أين كان صوته حين كانت الأبواب تُغلَق على أجساد السوريين؟
العدالة الانتقالية تبدأ من هنا:
من نبذ اجتماعي واضح، ومن رفض صريح لتبييض الصفحات السوداء، ومن مقاطعة تُذكّر بأن الكاميرا قد تغفر، لكن الذاكرة لا تفعل..

شارك هذه المادة مع أصدقائك