لكل ثورة أيقونة، وربما لكل ثائر أيقونة ورمز يعتز به، وقد ذخرت الثورة السورية بالأيقونات من حجي مارع وأبو فرات ومجد الديراني إلى الساروت، وغيرهم الكثير تقبلهم الله.

أما أنا فشهيدي وأيقونتي التي أفتقدها في كل مجريات الثورة السورية وما تلاها بعد التحرير، هو خالد صبري المعروف بأبي الهدى الحموي، أتحدث إليه كثيرا وأستذكر ما عايشناه في تلك الأيام التي أحسبها قليلة على معرفتي به، وفي ذكرى استشهاده الذي يصادف نفس اليوم الذي خرجت فيه إلى تركيا، في 15/ آذار/ 2014، سأستذكر موقفين، من بين مواقف عديدة، لي معه كان لهما عميق الأثر في نفسي.

في الأيام الأولى لاندلاع الثورة السورية وعقب اتخاذي القرار بالمشاركة بها تحت اسم وهمي على السكايب Truth Gate وشخصية ذكورية من باب التمويه ولدرء المخاطر الأمنية لأبعد حد ممكن، نظرا لوجودي داخل مدينة حماة المحتلة ولكوني موظفة في مؤسسة المياه تقتضي طبيعة عملي فيها السفر خارج المحافظة، كان لا بد لي من الاستعانة بشخص له صولته وجولته في الوسط الثوري الحموي لأتمكن من الانخراط فيه، وهنا كانت بداية التعارف بيننا وهو الجار القريب من منزلنا، في بداية الأمر وثق بي نظراً لكونه تعرف إلي عن طريق أخي الذي كان من أصدقائه المقربين. بمرور الأيام اقتضى الأمر أن ألتقيه لاستلم منه معدات تعينني على العمل، في المرة الأولى تمكنت من التملص وفي الثانية أيضا، أما في الثالثة أصر على لقائي وحين أعطيته الحجج المعتادة هدد بقطع التواصل، باعتبار أنه وجد في تصرفي ما يدل على عدم ثقتي به، والحقيقة غير ذلك. هنا تدخل أخي وأخبره دون علمي بأنني لست شاباً، فعاود التواصل معي وهنا ركبتني الشكوك “كيف يتراجع عن موقفه بعد ذلك الإصرار العجيب؟!” وبقيت أتابع الأمر حتى أقر لي أخي بما فعل لتعتريني المخاوف، ليس لعدم ثقتي بأبي الهدى وتكتمه على الأمر، بل لخشيتي من اعتقاله وأن يضطر للاعتراف بما يعرفه عني. مضت الأيام واكتشفت كم كانت هذه الخطوة هامة في مسيرتي، فلقد حصلت على دعم غير محدود منه وحرص كبير على سلامتي، فكان نعم الأخ.

أما الموقف الثاني فكان نتيجة قيام بعض الأشخاص (كانوا ثلاثة) يمثلون أحد الكيانات الثورية الحموية (لن أسميهم أو أسميه حالياً وإن كنت أحسبه يود ذلك لو كان بيننا) وبناء على اتفاق بيننا قمنا بتسليمهم الداتا المتوفرة لدينا لشهداء ومعتقلي محافظة حماة، في سبيل إيصالها لجهات حقوقية دولية وعلى أن يعثروا على آلية لتصبح متاحة لكلينا (فعليا لا أتذكر حاليا كيف كانت وكيف سلمناها!)، لكن لم يعيدوها وهنا قامت القيامة وقام أبو الهدى تقبله الله بتوبيخهم غاضباً فيما بينه وبينهم ودون حضوري (لأن مستوى الحديث لا يليق بفتاة حضوره كما أخبرني لاحقاً) وطلب مني حظرهم بعد أن حظرهم، وليتني فعلت. حينها ولحسن الحظ ورغم المخاطر الأمنية كنت أحتفظ بنسخة ورقية من الداتا وقمت بإعادة العمل عليها واتخذنا قرارنا بعدم مشاركة أي داتا مع أي طرف.

ثلاثة عشر عاماً انقضوا على استشهادك لكنك مازلت حاضرا في كل موقف وفي كل ذكرى، تقبلك الله أيها الشهيد الحي وجمعنا بك في عليين.

شارك هذه المادة مع أصدقائك